زاد المسير — ابن الجوزي
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴿٤٩﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ يَعْنِي: التَّوْراةَ، أُعْطِيها جُمْلَةً واحِدَةً بَعْدَ غَرَقِ فِرْعَوْنَ، ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ يَعْنِي: بَنِي إسْرائِيلَ، والمَعْنى: لِكَيْ يَهْتَدُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( آيَتَيْنِ ) عَلى التَّثْنِيَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْناها وابْنَها آيَةً﴾ [ الأنْبِياء: ٩١ ]، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآوَيْناهُما﴾؛ أيْ: جَعَلْناهُما يَأْوِيانِ، ﴿إلى رَبْوَةٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( رُبْوَةٍ ) بِضَمِّ الرّاءِ. وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الرَّبْوَةِ في ( البَقَرَةِ: ٢٦٥ ) . ( ﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ )؛ أيْ: مُسْتَوِيَةٍ يَسْتَقِرُّ عَلَيْها ساكِنُوها، والمَعْنى: ذاتُ مَوْضِعِ قَرارٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذاتُ مُسْتَقَرٍّ. ﴿وَمَعِينٍ﴾ وهو الماءُ الجارِي مِنَ العُيُونِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " ذاتُ قَرارٍ "؛ أيْ: يَسْتَقِرُّ بِها لِلْعِمارَةِ، " ومَعِينٍ ": هو الماءُ الظّاهِرُ، (p-٤٧٦)وَيُقالُ: هو مَفْعُولٌ مِنَ العَيْنِ، كَأنَّ أصْلَهُ مَعْيُونٌ، كَما يُقالُ: ثَوْبٌ مَخِيطٌ، وبُرٌّ مَكِيلٌ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَوْضِعِ هَذِهِ الرَّبْوَةِ المَوْصُوفَةِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها دِمَشْقُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلّامٍ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
والثّانِي: أنَّها بَيْتُ المَقْدِسِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: أنَّها الرَّمَلَةُ مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
والرّابِعُ: مِصْرُ، قالَهُ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ السّائِبِ.
فَأمّا السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ أوَيا إلى الرَّبْوَةِ، فَقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَرَّتْ مَرْيَمُ بِابْنِها عِيسى مِن مَلِكِهِمْ، ثُمَّ رَجَعَتْ إلى أهْلِها بَعْدَ اثْنَتَيْ عَشْرَةً سَنَةً. قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: وكانَ المَلِكُ أرادَ قَتْلَ عِيسى.(p-٤٧٧)