زاد المسير — ابن الجوزي
فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ ﴿١١٦﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ )، وهَذا سُؤالُ اللَّهِ تَعالى لِلْكافِرِينَ. وفي وقْتِهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَسْألُهم يَوْمَ البَعْثِ.
والثّانِي: بَعْدَ حُصُولِهِمْ في النّارِ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( قُلْ كَمْ لَبِثْتُمْ ) وفِيها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم، والمَعْنى: قُلْ يا أيُّها الكافِرُ. (p-٤٩٥)
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: قُولُوا، فَأخْرَجَهُ مَخْرَجَ الأمْرِ لِلْواحِدِ، والمُرادُ الجَماعَةُ؛ لِأنَّ المَعْنى مَفْهُومٌ. وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ يُدْغِمُونَ ثاءَ ( لَبِثْتُمْ )، والباقُونَ لا يُدْغِمُونَها. فَمَن أدْغَمَ فَلِتَقارُبِ مَخْرَجِ الثّاءِ والتّاءِ، ومَن لَمْ يُدْغِمْ فَلِتَبايُنِ المَخْرَجَيْنِ.
وَفِي المُرادِ بِالأرْضِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها القُبُورُ. والثّانِي: الدُّنْيا. فاحْتَقَرَ القَوْمُ ما لَبِثُوا لِما عايَنُوا مِنَ الأهْوالِ والعَذابِ، فَقالُوا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: لا نَدْرِي كَمْ لَبِثْنا.
وَفِي المُرادِ بِالعادِّينَ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: المَلائِكَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: الحِسابُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقَرَأ الحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( العادِينَ ) بِتَخْفِيفِ الدّالِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( قالَ إنْ لَبِثْتُمْ ) . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( قُلْ إنْ لَبِثْتُمْ ) عَلى مَعْنى: قُلْ أيُّها السّائِلُ عَنْ لُبْثِهِمْ. وزَعَمُوا أنَّ في مُصْحَفِ أهْلِ الكُوفَةِ: ( قُلْ ) في المَوْضِعَيْنِ، فَقَرَأهُما حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى ما في مَصاحِفِهِمْ؛ أيْ: ما لَبِثْتُمْ في الأرْضِ، ﴿إلا قَلِيلا﴾؛ لِأنَّ مُكْثَهم في الأرْضِ وإنْ طالَ، فَإنَّهُ مُتَناهٍ، ومُكْثَهم في النّارِ لا يَتَناهى.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: لَوْ عَلِمْتُمْ قَدْرَ لُبْثِكم في الأرْضِ.
والثّانِي: لَوْ عَلِمْتُمْ أنَّكم إلى اللَّهِ تَرْجِعُونَ فَعَمِلْتُمْ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ﴾؛ أيْ: أفَظَنَنْتُمْ. ﴿أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾؛ أيْ: (p-٤٩٦)لِلْعَبَثِ. والعَبَثُ في اللُّغَةِ: اللَّعِبُ، وقِيلَ: هو الفِعْلُ لا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ. ﴿وَأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: ( لا تُرْجَعُونَ ) بِضَمِّ التّاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِها. ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ الجاهِلُونَ مِنَ الشِّرْكِ والوَلَدِ. ﴿المَلِكُ﴾ قالَ الخَطّابِيُّ: هو التّامُّ المُلْكِ الجامِعُ لِأصْنافِ المَمْلُوكاتِ. وأمّا المالِكُ: فَهو الخالِصُ المُلْكِ. وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى ﴿الحَقُّ﴾ في ( يُونُسَ: ٣٢ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ والكَرِيمُ في صِفَةِ الجَمادِ بِمَعْنى: الحَسَنِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( الكَرِيمُ ) بِرَفْعِ المِيمِ، يَعْنِي: اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾؛ أيْ: لا حُجَّةٌ لَهُ بِهِ ولا دَلِيلٌ. وقالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ: فَلا بُرْهانَ لَهُ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾؛ أيْ: جَزاؤُهُ عِنْدَ رَبِّهِ.
تَمَّ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى - الجُزْءُ الخامِسُ مِن كِتابِ
" زادِ المَسِيرِ في عِلْمِ التَّفْسِيرِ " ويَلِيهِ الجُزْءُ السّادِسُ
وَأوَّلُهُ تَفْسِيرُ " سُورَةِ النُّورِ "