زاد المسير — ابن الجوزي
وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَـٰهُ ۚ أَفَأَنتُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ ﴿٥٠﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ التَّوْراةُ الَّتِي فَرَّقَ بِها بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
والثّانِي: البُرْهانُ الَّذِي فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ حَقِّ مُوسى وباطِلِ فِرْعَوْنَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: النَّصْرُ والنَّجاةُ لِمُوسى، وإهْلاكُ فِرْعَوْنَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضِياءً﴾ رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَرى الواوَ زائِدَةً. قالَ الزَّجّاجُ: وكَذَلِكَ قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ المَعْنى: الفَرْقانُ ضِياءٌ. وعِنْدَ (p-٣٥٦)البَصْرِيِّينَ أنَّ الواوَ لا تُزادُ ولا تَأْتِي إلّا بِمَعْنى العَطْفِ، فَهي هاهُنا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [ المائِدَة: ٤٤ ] . قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: أنَّهُمُ اسْتَضاؤُوا بِالتَّوْراةِ حَتّى اهْتَدَوْا بِها في دِينِهِمْ. ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾: أنَّهم يَذْكُرُونَهُ ويَعْمَلُونَ بِما فِيهِ. ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: يَخافُونَهُ ولَمْ يَرَوْهُ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: يَخْشَوْنَ عَذابَهُ ولَمْ يَرَوْهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: يَخافُونَهُ مِن حَيْثُ لا يَراهم أحَدٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: يَخافُونَهُ إذا غابُوا عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، كَخَوْفِهِمْ إذا كانُوا بَيْنَ النّاسِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ثُمَّ عادَ إلى ذِكْرِ القُرْآنِ، فَقالَ: ﴿وَهَذا﴾ يَعْنِي: القُرْآنُ، ﴿ذِكْرٌ﴾ لِمَن تَذَكَّرَ بِهِ وعِظَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ، ﴿مُبارَكٌ﴾؛ أيْ: كَثِيرُ الخَيْرِ، ﴿أفَأنْتُمْ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ، ﴿لَهُ مُنْكِرُونَ﴾؛ أيْ: جاحِدُونَ ؟ وهَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ.