زاد المسير — ابن الجوزي
قَالُوا۟ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَـٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ ﴿٩١﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مُوسى، ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾؛ أيِ: ابْتُلِيتُمْ، ﴿وَإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ لا العِجْلُ، ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾؛ أيْ: لَنْ نَزالَ مُقِيمِينَ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، ﴿حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ فَلَمّا رَجَعَ مُوسى، ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ بِعِبادَةِ العِجْلِ. ﴿ألا تَتَّبِعَنِي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( ألّا تَتَّبِعَنِي ) بِياءٍ في الوَصْلِ ساكِنَةٍ، ويَقِفُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ، وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ياءٍ. ورَوى إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ نافِعٍ: ( ألّا تَتَّبِعَنِيَ أفَعَصَيْتَ ) بِياءٍ مَنصُوبَةٍ. ورَوى قالُونُ عَنْ نافِعٍ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو سَواءً. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، والمَعْنى: ما مَنَعَكَ مِنَ اتِّباعِي، و" لا " كَلِمَةٌ زائِدَةٌ.
وَفِي المَعْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: تَسِيرُ ورائِي بِمَن مَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وتُفارِقُهم، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنْ تُناجِزَهُمُ القِتالَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ وهو قَوْلُهُ في وصِيَّتِهِ إيّاهُ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ﴾، قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ ولِحْيَتِهِ غَضَبًا مِنهُ عَلَيْهِ. وهَذا وإنْ لَمْ (p-٣١٧)يُذْكُرْ هاهُنا، فَقَدْ ذُكِرَ في ( الأعْرافِ: ١٥٠ )، فاكْتُفِيَ بِذَلِكَ، وقَدْ شَرَحْنا هُناكَ مَعْنى ﴿يا ابْنَ أُمَّ﴾، واخْتِلافَ القُرّاءِ فِيها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا بِرَأْسِي﴾؛ أيْ: بِشَعْرِ رَأْسِي. وهَذا الغَضَبُ كانَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ وقَعَ في نَفْسِهِ أنَّ هارُونَ عَصى اللَّهَ بِتَرْكِ اتِّباعِ مُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي خَشِيتُ﴾؛ أيْ: إنْ فارَقَتْهم واتَّبَعْتُكَ، ﴿أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: بِاتِّباعِي إيّاكَ ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. والثّانِي: بِقِتالِي لِبَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي لَكَ: ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ﴾ .
والثّانِي: لَمْ تَنْتَظِرْ أمْرِي فِيهِمْ.