زاد المسير — ابن الجوزي
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱسْمَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا۟ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَـٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿٩٣﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾ فِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: ما في الألْواحِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الآَياتُ التِّسْعُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي هاءِ "بَعْدَهُ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى مُوسى، فَمَعْناهُ: مِن بَعْدِ انْطِلاقِهِ إلى الجَبَلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى المَجِيءِ، لِأنَّ "جاءَكُمْ" يَدُلُّ عَلى المَجِيءِ وفي ذِكْرِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا إذا نَظَرُوا إلى الجَبَلِ، قالُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا، وإذا نَظَرُوا إلى الكِتابِ؛ قالُوا: سَمِعْنا وعَصَيْنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ أيْ: سُقُوا حُبَّ العِجْلِ، فَحَذَفَ المُضافَ، وهو الحُبُّ، وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [ البَقَرَةِ: ١٩٧ ] [أيْ: وقْتَ الحَجِّ ] وقَوْلُهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ [ التَّوْبَةِ: ١٩ ] [أيْ: أجَعَلْتُمْ صاحِبَ سِقايَةِ الحاجِّ ] . وقَوْلُهُ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [ يُوسُفَ: ٨٢ ] [أيْ: أهْلُهُا ] وقَوْلُهُ: ﴿إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ﴾ [ الإسْراءِ: ٧٥ ] . أيْ: ضِعْفُ عَذابِ الحَياةِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ﴾ [ الحَجِّ: ٤٠ ] . أيْ: بُيُوتُ صَلَواتٍ. وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [ سَبَإ: ٣٠ ] . أيْ: مَكْرُكم فِيهِما. وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [ العَلَقِ: ١٧ ] أيْ: أهْلُهُ. (p-١١٦)وَمِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ أُنْبِئَتُ أنَّ النّارَ بَعْدَكَ أُوقِدَتْ واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ
أيْ: أهْلُ المَجْلِسِ. وقالَ الآَخَرُ
؎ وشَرُّ المَنايا مَيِّتٌ بَيْنَ أهْلِهِ
أيْ: وشَرُّ المَنايا مَنِيَّةُ مَيِّتٍ بَيْنَ أهْلِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ﴾ أيْ: أنْ تُكَذِّبُوا المُرْسَلِينَ، وتَقْتُلُوا النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وتَكْتُمُوا الهُدى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في "إنْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى: الجَحْدِ، فالمَعْنى: ما كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إذْ عَصَيْتُمُ اللَّهَ، وعَبَدْتُمُ العِجْلَ. والثّانِي: أنْ تَكُونَ "إنْ" شَرْطًا مُعَلَّقًا بِما قَبْلَهُ، فالمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ؛ فَبِئْسَ الإيمانُ إيمانٌ يَأْمُرُكم بِعِبادَةِ العِجْلِ، وقَتْلُ الأنْبِياءِ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.