زاد المسير — ابن الجوزي
ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَـٰرِهِمْ تَظَـٰهَرُونَ عَلَيْهِم بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـٰرَىٰ تُفَـٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٨٥﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ أيْ: لا يَسْفِكُ بَعْضُكم دَمَ بَعْضٍ، ولا يُخْرِجُ بَعْضُكم بَعْضًا مِن دارِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثُمَّ أقْرَرْتُمْ يَوْمَئِذٍ بِالعَهْدِ، وأنْتُمُ اليَوْمُ تَشْهَدُونَ عَلى ذَلِكَ، فالإقْرارُ عَلى هَذا مُتَوَجِّهٌ إلى سَلَفِهِمْ، والشّاهِدَةُ مُتَوَجِّهَةٌ إلى خَلَفِهِمْ. ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا. رَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ قالَ: كانَتْ قُرَيْظَةُ خُلَفاءَ الأوْسِ، والنَّضِيرُ حُلَفاءَ الخَزْرَجِ، فَكانُوا يُقاتِلُونَ في حَرْبِ سَمِيرٍ فَيُقاتِلُ بَنُو قُرَيْظَةَ مَعَ حُلَفائِها النَّضِيرَ وحُلَفاءَها، وكانَتْ (p-١١١)النَّضِيرُ تُقاتِلُ قُرَيْظَةَ وحُلَفاءَها، فَيَغْلِبُونَهم ويُخَرِّبُونَ الدِّيارَ ويُخْرِجُونَ مِنها، فَإذا أُسِرَ الرَّجُلُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما، جَمَعُوا لَهُ حَتّى يَفْدُوهُ، فَتُعَيِّرُهُمُ العَرَبُ بِذَلِكَ، فَتَقُولُ: كَيْفَ تُقاتِلُونَهم وتَفْدُونَهُمْ؟! فَيَقُولُونَ: أُمِرْنا أنْ نَفْدِيَهم، حَرُمَ عَلَيْنا قَتْلُهم. فَتَقُولُ العَرَبُ: فَلِمَ تُقاتِلُونَهُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَسْتَحْيِي أنْ يَسْتَذِلَّ حُلَفاؤُنا، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ، عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ: