زاد المسير — ابن الجوزي
سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا۟ عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿١٤٢﴾
(p-١٥٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ .
فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ قالُوا ذَلِكَ، والآَيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ. والسُّفَهاءُ: الجَهَلَةُ. ما ولّاهم، أيْ: صَرَفَهم عَنْ قِبْلَتِهِمْ: يُرِيدُ: قِبْلَةَ المُقْدِسِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مُدَّةِ صَلاةِ النَّبِيِّ ﷺ، إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ قَدُومِهِ إلى المَدِينَةِ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ، قالَهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ. والثّانِي: سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، قالَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ. والرّابِعُ: تِسْعَةُ أشْهُرٍ، أوْ عَشْرَةُ أشْهُرٍ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ. والخامِسُ: سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا. والسّادِسُ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، رُوِيَ القَوْلانِ عَنْ قَتادَةَ.
وَهَلْ كانَ اسْتِقْبالُهُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بِرَأْيِهِ، أوْ عَنْ وحْيٍ؟ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ووَحْيِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ. والثّانِي: أنَّهُ كانَ بِاجْتِهادِهِ ورَأْيِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، والرَّبِيعُ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ النّاسُ يَتَوَجَّهُونَ إلى أيِّ جِهَةٍ شاؤُوا بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [ البَقَرَةِ: ١١٥ ] . ثُمَّ أمَرَهم بِاسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ. وفي سَبَبِ اخْتِيارِهِ بَيْتَ المَقْدِسِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لِيَتَألَّفَ أهْلُ الكِتابِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. والثّانِي: لِامْتِحانِ العَرَبِ بِغَيْرِ ما ألِفُوهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.