زاد المسير — ابن الجوزي
وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴿١٤﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ .
اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الإيمانِ ما يَلْقُونَ رُؤَساءَهم بِضِدِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
فَأمّا التَّفْسِيرُ فَـ "إلى" بِمَعْنى "مَعَ" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ أيْ: مَعَ اللَّهِ. والشَّياطِينُ: جَمْعُ شَيْطانٍ، قالَ الخَلِيلُ: كُلُّ مُتَمَرِّدٍ عِنْدَ العَرَبِ شَيْطانٌ. وفي هَذا الِاسْمِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ مِن شَطَنَ، أيْ: بَعُدَ عَنِ الخَيْرِ، فَعَلى هَذا تَكُونُ النُّونُ أصْلِيَّةً.
قالَ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ في صِفَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ:
؎ أيُّما شاطِنٍ عَصاهُ عَكاهُ ثُمَّ يُلْقى في السِّجْنِ والأغْلالِ
عَكاهُ: أوْثَقَهُ. وقالَ النّابِغَةُ:(p-٣٥)
؎ نَأتِ بِسُعادَ عَنْكَ نَوى شُطُونٍ ∗∗∗ فَبانَتْ والفُؤادُ بِها رَهِينُ.
والثّانِي: أنَّهُ مِن شاطَ يَشِيطُ: إذا التَهَبَ واحْتَرَقَ، فَتَكُونُ النُّونُ زائِدَةً. وأنْشَدُوا:
؎ وقَدْ يَشِيطُ عَلى أرْماحِنا البَطَلُ
أيْ: يَهْلَكُ.
وَفِي المُرادِ بِشَياطِينِهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهم رُؤُوسُهم في الكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ. والثّانِي: إخْوانُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ. والثّالِثُ: كَهَنَتُهم قالَهُ الضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مَعَكُمْ﴾ .
فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا: إنّا مَعَكم عَلى دِينِكم. والثّانِي: إنّا مَعَكم عَلى النُّصْرَةِ والمُعاضَدَةِ. والهَزْءُ: السُّخْرِيَةُ.