زاد المسير — ابن الجوزي
قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا ﴿٩﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا زَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، فَقالَ: ﴿يا زَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ . وقَرَأ حَمْزَةُ: ( نُبَشِرُكَ ) بِالتَّخْفِيفِ. وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( آَلِ عِمْرانَ: ٣٩ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: لَمْ يُسَمَّ يَحْيى قَبْلَهُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والأكْثَرُونَ.
فَإنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ فَقالَ: ما وجْهُ المِدْحَةِ باسِمِ لَمْ يُسَمَّ بِهِ أحَدٌ قَبْلَهُ، (p-٢١١)وَنَرى كَثِيرًا مِنَ الأسْماءِ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْها ؟ فالجَوابُ: أنَّ وجْهَ الفَضِيلَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَوَلّى تَسْمِيَتَهُ، ولَمْ يَكِلْ ذَلِكَ إلى أبَوَيْهِ، فَسَمّاهُ بِاسْمٍ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ.
والثّانِي: لَمْ تَلِدِ العَواقِرُ مِثْلَهُ ولَدًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ نَظِيرًا.
والثّالِثُ: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ مِثْلًا وشَبَهًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. فَعَلى هَذا يَكُونُ عَدَمُ الشَّبَهِ مِن حَيْثُ أنَّهُ لَمْ يَعْصِ ولَمْ يَهِمَّ بِمَعْصِيَةٍ. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في ( آَلِ عِمْرانَ: ٣٩ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿وَكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ .
وَفِي مَعْنى " كانَتْ " قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَوْكِيدٌ لِلْكَلامِ، فالمَعْنى: وهي عاقِرٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [ آَلِ عِمْرانَ: ١١٠ ]؛ أيْ: أنْتُمْ.
والثّانِي: أنَّها كانَتْ مُنْذُ كانَتْ عاقِرًا، لَمْ يُحْدُثْ ذَلِكَ بِها، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ، واخْتارَ الأوَّلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( عُتِيًّا )، و( بُكِيًّا ) [ مَرْيَمَ: ٥٨ ]، و( صُلِيًّا ) [ مَرْيَمَ: ٧٠ ] بِضَمِّ أوائِلِها. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ أوائِلِها، وافَقَهُما حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، إلّا في قَوْلِهِ: ( بُكِيًّا ) فَإنَّهُ ضَمَّ أوَّلَهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: ( عِسِيًّا ) بِالسِّينِ. قالَ مُجاهِدٌ: ( عِتِيًّا ): هو قُحُولُ العَظْمِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: يَبَسا، يُقالُ: عَتا وعَسا بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ انْتَهى فَقَدْ عَتا يَعْتُو عِتِيًّا، وعُتُوًّا وعُسُوًّا وعِسِيًّا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَذَلِكَ﴾؛ أيِ: الأمْرُ كَما قِيلَ لَكَ مِن هِبَةِ الوَلَدِ عَلى الكِبَرِ، ﴿قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾؛ أيْ: خَلْقُ يَحْيى عَلَيَّ سَهْلٌ. (p-٢١٢)وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ وعاصِمُ الجَحْدَرِيُّ: ( هَيْنٌ ) بِإسْكانِ الياءِ. ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: أوْجَدْتُكَ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( خَلَقْتُكَ ) . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( خَلَقْناكَ ) بِالنُّونِ والألِفِ. ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ المَعْنى: فَخَلْقُ الوَلَدِ كَخَلْقِكَ. وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في ( آَلِ عِمْرانَ: ٣٩ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: " سَوِيًّا " مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والمَعْنى: تُمْنَعُ عَنِ الكَلامِ وأنْتَ سَوِيٌّ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: سَلِيمًا غَيْرَ أخْرَسَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ﴾ وهَذا في صَبِيحَةِ اللَّيْلَةَ الَّتِي حَمَلَتْ فِيها امْرَأتُهُ، ﴿مِنَ المِحْرابِ﴾؛ أيْ: مِن مُصَلّاهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( آَلِ عِمْرانَ: ٣٩ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كَتَبَ إلَيْهِمْ في كِتابٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أوْمَأ بِرَأْسِهِ ويَدَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾؛ أيْ: صَلُّوا، ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( آَلِ عِمْرانَ: ٣٩ )، والمَعْنى: أنَّهُ كانَ يَخْرُجُ إلى قَوْمِهِ فَيَأْمُرُهم بِالصَّلاةِ بُكْرَةً وعَشِيًّا، فَلَمّا حَمَلَتِ امْرَأتُهُ أمَرَهم بِالصَّلاةِ إشارَةً.