زاد المسير — ابن الجوزي
وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَـٰهُ نَجِيًّا ﴿٥٢﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( مُخْلِصًا ) بِكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ اللّامِ. قالَ الزَّجّاجُ: ( المُخْلِصُ ) بِكَسْرِ اللّامِ: الَّذِي وحَّدَ اللَّهَ وجَعَلَ نَفْسَهُ خالِصَةً في طاعَةِ اللَّهِ غَيْرَ دَنَسِهِ، و( المُخْلَصُ ) بِفَتْحِ اللّامِ: الَّذِي أخْلَصَهُ اللَّهُ وجَعَلَهُ مُخْتارًا خالِصًا مِنَ الدَّنَسِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ رَسُولا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أعادَ " كانَ " لِتَفْخِيمِ شَأْنِ النَّبِيِّ المَذْكُورِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ﴾؛ أيْ: مِن ناحِيَةِ الطُّورِ، وهو جَبَلٌ بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ اسْمُهُ زُبَيْرُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: [ إنَّما ] خاطَبَ اللَّهُ العَرَبَ بِما يَسْتَعْمِلُونَ في لُغَتِهِمْ، ومِن كَلامِهِمْ: عَنْ يَمِينِ القِبْلَةِ وشَمالِها، يَعْنُونُ: مِمّا يَلِي يَمِينَ المُسْتَقْبَلِ لَها وشَمالَهُ، فَنَقَلُوا الوَصْفَ إلى ذَلِكَ اتِّساعًا عِنْدَ انْكِشافِ المَعْنى؛ لِأنَّ الوادِيَ لا يَدَ لَهُ فَيَكُونُ لَهُ يَمِينٌ. وقالَ المُفَسِّرُونُ: جاءَ النِّداءُ عَنْ يَمِينِ مُوسى؛ فَلِهَذا قالَ: " الأيْمَنَ "، ولَمْ يَرِدْ بِهِ يَمِينُ الجَبَلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: مُناجِيًا، فَعَبَّرَ (p-٢٤٠)( فَعِيلَ ) عَنْ ( مُفاعِلِ )، كَما قالُوا: فُلانٌ خَلِيطِي وعَشِيرِي، يَعْنُونُ: مُخالِطِي ومُعاشِرِي. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وَقَرَّبْناهُ﴾، قالَ: حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ القَلَمِ حِينَ كَتَبَ لَهُ في الألْواحِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا﴾؛ أيْ: مِن نِعْمَتِنا عَلَيْهِ إذْ أجَبْنا دُعاءَهُ حِينَ سَألَ أنْ نَجْعَلَ مَعَهُ أخاهُ وزِيرًا لَهُ.