زاد المسير — ابن الجوزي
وَإِن كَادُوا۟ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَـٰفَكَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٧٦﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: «أنَّ وفْد ثَقِيفٍ أتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقالُوا: مَتِّعْنا بِاللّاتِ سَنَةً، وحَرِّمْ وادِينا كَما حَرَّمْتَ مَكَّةَ، فَأبى ذَلِكَ، فَأقْبَلُوا يُكْثِرُونَ مَسْألَتَهُمْ، وقالُوا: إنّا نُحِبُّ أنْ تُعَرِّفَ العَرَبَ فَضْلَنا عَلَيْهِمْ، فَإنْ خَشِيتْ أنْ يَقُولَ العَرَبُ: أعْطَيْتُهم ما لَمْ تُعْطِنا، فَقُلِ: اللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ، فَأمْسَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ [ عَنْهم ]، وداخَلَهم الطَّمَعُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم قالُوا: أجِّلْنا سَنَةً، ثُمَّ نُسَلِّمُ ونَكْسِرُ أصْنامَنا، فَهَمَّ أنْ يُؤَجِّلَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
والثّانِي: «أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: لا نَكُفُّ عَنْكَ إلّا بِأنْ تُلِمَّ بِآَلِهَتِنا، ولَوْ بِأطْرافِ أصابِعِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " ما عَلَيَّ لَوْ فَعَلْتُ واللَّهُ يَعْلَمُ إنِّي لَكارِهٌ "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وهَذا باطِلٌ (p-٦٨)لا يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، ولا ما ذَكَرْنا عَنْ عَطِيَّةَ مِن أنَّهُ هَمَّ أنْ يُنْظِرَهم سَنَةً، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ في حَقِّهِ وفي حَقِّ الصَّحابَةِ أنَّهم رَوَوْا عَنْهُ.
والثّالِثُ: «أنَّ قُرَيْشًا خَلَوْا بِرَسُولِ اللهِ لَيْلَةً إلى الصَّباحِ يُكَلِّمُونَهُ ويُفَخِّمُونَهُ، ويَقُولُونَ: أنْتَ سَيِّدُنا وابْنُ سَيِّدِنا، وما زالُوا بِهِ حَتّى كادَ يُقارِبُهم في بَعْضِ ما يُرِيدُونَ، ثُمَّ عَصَمَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: «أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: اطَّرَدَ عَنْكَ سُقاطُ النّاسِ ومَوالِيهِمْ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ رائِحَتُهم رائِحَةَ الضَّأْنِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَلْبَسُونَ الصُّوفَ، حَتّى نُجالِسَكَ ونَسْمَعَ مِنكَ، فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَفْعَلَ ما يَسْتَدْعِي بِهِ إسْلامَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَياتُ،» حَكاهُ الزَّجّاجُ، قالَ: ومَعْنى الكَلامِ: كادُوا يَفْتِنُونَكَ، ودَخَلَتْ " إنَّ " واللّامُ لِلتَّوْكِيدِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما قالَ: ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾؛ لِأنَّ في إعْطائِهِمْ ما سَألُوا مُخالَفَةً لِحُكْمِ القُرْآَنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَفْتَرِيَ﴾؛ أيْ: لِتَخْتَلِق، ﴿عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ وهو قَوْلُهُمْ: قُلِ: اللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ، ﴿وَإذًا﴾ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ ﴿لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾؛ أيْ: والَوْكَ وصافَوْكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ عَلى الحَقِّ لِعِصْمَتِنا إيّاكَ، ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: هَمَمْتَ وقارَبْتَ أنْ تَمِيلَ إلى مُرادِهِمْ ﴿شَيْئًا قَلِيلا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وذَلِكَ حِينَ سَكَتَّ عَنْ جَوابِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ بِنْيَّتِهِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الفِعْلُ في الظّاهِرِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وفي الباطِنِ لِلْمُشْرِكِينَ، وتَقْدِيرُهُ: لَقَدْ كادُوا يُرْكِنُونَكَ إلَيْهِمْ، ويَنْسُبُونَ إلَيْكَ ما يَشْتَهُونَهُ مِمّا تَكْرَهُ، فَنَسَبَ الفِعْلَ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ عِنْدَ أمْنِ اللَّبْسِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: كِدْتَ تَقْتُلُ نَفْسَكَ اليَوْمَ، يُرِيدُ: كِدْتَ تَفْعَلُ فِعْلًا يَقْتُلُكَ غَيْرُكَ مِن أجْلِهِ؛ فَهَذا مِنَ المَجازِ والِاتِّساعِ، وشَبِيهٌ (p-٦٩)بِهَذا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [ البَقَرَةِ: ١٣٢ ]، وقَوْلُ القائِلِ: لا أُرِيَنَّكَ في هَذا المَوْضِعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذًا لأذَقْناكَ﴾ المَعْنى: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ الشَّيْءَ القَلِيلَ ﴿لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ﴾؛ أيْ: ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ ﴿وَضِعْفَ﴾ عَذابِ ﴿المَماتِ﴾، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ [ نُبِّئْتُ أنَّ النّارَ بَعْدكَ أُوقِدَتْ ] واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ
أيْ: أهْلُ المَجْلِسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضِعْفُ عَذابِ الدُّنْيا والآَخِرَةِ. وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعْصُومًا، ولَكِنَّهُ تَخْوِيفٌ لِأُمَّتِهِ؛ لِئَلّا يَرْكَنَ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلى أحَدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ في شَيْءٍ مِن أحْكامِ اللَّهِ وشَرائِعِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ:
أحَدُهُما: «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، حَسَدَتْهُ اليَهُودُ عَلى مَقامِهِ بِالمَدِينَةِ وكَرِهُوا قُرْبَهُ، فَأتَوْهُ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ أنَبِيٌّ أنْتَ ؟ قالَ: " نَعَمْ "، قالُوا: فَواللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَذِهِ بِأرْضِ الأنْبِياءِ، وأنَّ أرْضَ الأنْبِياءِ الشّامُ، فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا فائْتِ الشّامَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يُشَخِّصَ عَنِ المَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. (p-٧٠)وَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ: لَمّا قالَتْ لَهُ اليَهُودُ هَذا، صَدَّقَ ما قالُوا، وغَزا غَزْوَةَ تَبُوكَ لا يُرِيدُ إلّا الشّامَ، فَلَمّا بَلَغَ تَبُوكَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ أهْلُ مَكَّةَ هَمُّوا بِإخْراجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن مَكَّةَ، فَأمَرَهُ اللَّهُ بِالخُرُوجِ، وأنْزَلَ هَذِهِ الآَيَةَ إخْبارًا عَمّا هَمُّوا بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ. وقالَ قَتادَةُ: هم أهْلُ مَكَّةَ بِإخْراجِهِ مِن مَكَّةَ، ولَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ ما نُوظِرُوا، ولَكِنَّ اللَّهَ كَفَّهم عَنِ إخْراجِهِ حَتّى أمَرَهُ بِالخُرُوجِ. وقِيلَ: ما لَبِثُوا حَتّى بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ القَتْلَ بِبَدْرٍ. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ المُشارِ إلَيْهِمُ: اليَهُودُ، والأرْضُ: المَدِينَةُ. وعَلى الثّانِي: هُمُ المُشْرِكُونَ، والأرْضُ: مَكَّةُ. وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى ( الِاسْتِفْزازِ ) آَنِفًا ( الإسْراءِ: ٦٤ )، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ هاهُنا: القَتْلُ، لِيُخْرِجُوهُ مِنَ الأرْضِ كُلِّها، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: " وإذًا لا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( خَلْفَكَ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( خِلافَكَ ) . قالَ الأخْفَشُ: ( خِلافَكَ ) في مَعْنى خَلْفَكَ، والمَعْنى: لا يَلْبَثُونَ بَعْدَ خُرُوجِكَ ﴿إلا قَلِيلا﴾؛ أيْ: لَوْ أخْرَجُوكَ لاسْتَأْصَلْناهم بَعْدَ خُرُوجِكَ بِقَلِيلٍ، وقَدْ جازاهُمُ اللَّهُ عَلى ما هَمُّوا بِهِ، فَقَتَلَ صَنادِيدَ المُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ، وقَتَلَ مِنَ اليَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وأجْلى النَّضِيرَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الكَلامِ: لا يَلْبَثُونَ (p-٧١)عَلى خِلافِكَ ومُخالَفَتِكَ، فَسَقَطَ حَرْفُ الخَفْضِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( خِلافَكَ بِضَمِّ الخاءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ، ورَفْعِ الفاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا﴾ قالَ الفَرّاءُ: نَصَبَ السُّنَّةَ عَلى العَذابِ المُضْمَرِ؛ أيْ: يُعَذِّبُونَ كَسُنَّتِنا فِيمَن أرْسَلْنا. وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى: سَنَّها سُنَّةً. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّصْبُ بِمَعْنى ﴿لا يَلْبَثُونَ﴾، وتَأْوِيلُهُ: إنّا سَنَنّا هَذِهِ السُّنَّةَ فِيمَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ أنَّهم إذا أخْرَجُوا نَبِيَّهم أوْ قَتَلُوهُ، لَمْ يَلْبَثِ العَذابُ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ.