زاد المسير — ابن الجوزي
وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَـٰنًا فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًا ﴿٣٣﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، والحَسَنُ: بِالمَدِّ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وقَدْ يُمَدُّ " الزِّنا " في كَلامِ أهْلِ نَجْدٍ، قالَ الفَرَزْدَقُ:
؎ أبا حاضِرٍ مَن يَزِنِ يُعْرَفْ زِناؤُهُ ومَن يَشْرَبِ الخُرْطُومَ يُصْبِحْ مُسَكَّرًا
(p-٣٢)وَقالَ أيْضًا:
؎ أخْضَبْتَ فِعْلَكَ لِلزِّناءِ ولَمْ تَكُنْ ∗∗∗ يَوْمَ اللِّقاءِ لِتَخْضِبَ الأبْطالا
وَقالَ آَخَرُ:
؎ [ كانَتْ فَرِيضَةُ ما نَقُولُ ] كَما ∗∗∗ كانَ الزِّناءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في ( الأنْعامِ: ١٥١ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ إدْغامُ الدّالِ مَعَ الجِيمِ، والإظْهارُ جَيِّدٌ بالِغٌ، إلّا أنَّ الجِيمَ مِن وسَطِ اللِّسانِ، والدّالَ مِن طَرَفِ اللِّسانِ، والإدْغامُ جائِزٌ؛ لِأنَّ حُرُوفَ وسَطِ اللِّسانِ تَقْرُبُ مِن حُرُوفِ طَرَفِ اللِّسانِ. ووَلِيُّهُ: الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ تُوجِبُ المُطالَبَةَ بِدَمِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ، فالسُّلْطانُ ولِيُّهُ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في السُّلْطانِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الحُجَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ الوالِي، والمَعْنى: فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا يَنْصُرُهُ ويُنْصِفُهُ في حَقِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: ( فَلا يُسْرِفْ ) بِالياءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالتّاءِ.
وَفِي المُشارِ إلَيْهِ في الآَيَةِ قَوْلانِ:
(p-٣٣)أحَدُهُما: أنَّهُ ولِيُّ المَقْتُولِ. وفي المُرادِ بِإسْرافِهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنْ يَقْتُلَ غَيْرَ القاتِلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ. والثّانِي: أنْ يَقْتُلَ اثْنَيْنِ بِواحِدٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: أنْ يَقْتُلَ أشْرَفَ مِنَ الَّذِي قُتِلَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والرّابِعُ: أنْ يُمَثِّلَ، قالَهُ قَتادَةُ. والخامِسُ: أنْ يَتَوَلّى هو قَتْلَ القاتِلِ دُونَ السُّلْطانِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّ الإشارَةَ إلى القاتِلِ الأوَّلِ، والمَعْنى: فَلا يُسْرِفِ القاتِلُ بِالقَتْلِ تَعَدِّيًا وظُلْمًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾؛ أيْ: مُعانًا عَلَيْهِ.
وَفِي هاءِ الكِنايَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى الوَلِيِّ، فالمَعْنى: إنَّهُ كانَ مَنصُورًا بِتَمْكِينِهِ مِنَ القَوَدِ، قالَهُ قَتادَةُ والجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى المَقْتُولِ، فالمَعْنى: أنَّهُ كانَ مَنصُورًا بِقَتْلِ قاتِلِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الدَّمِ، فالمَعْنى: أنَّ دَمَ المَقْتُولِ كانَ مَنصُورًا؛ أيْ: مَطْلُوبًا بِهِ.
والرّابِعُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى القَتْلِ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الفَرّاءُ.