زاد المسير — ابن الجوزي
كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَـٰكَ فِىٓ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ لِّتَتْلُوَا۟ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ﴿٣٠﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ﴾ أيْ: كَما أرْسَلْنا الأنْبِياءَ قَبْلَكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قالَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ، قالُوا: وما الرَّحْمَنُ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، وقِيلَ لَهم: إنَّ الرَّحْمَنَ الَّذِي أنْكَرْتُمْ هو رَبِّي، هَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهم لَمّا أرادُوا كِتابَ الصُّلْحِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، كَتَبَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا مُسَيْلِمَةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَوْمًا في الحِجْرِ يَدْعُو، وأبُو جَهْلٍ يَسْتَمِعُ إلَيْهِ وهو يَقُولُ: يا رَحْمَنُ، فَوَلّى مُدْبِرًا إلى المُشْرِكِينَ فَقالَ: إنَّ مُحَمَّدًا كانَ يَنْهانا عَنْ عِبادَةِ الآلِهَةِ وهو يَدْعُو إلَهَيْنِ ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلَيْهِ مَتابِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مَصْدَرُ تُبْتُ إلَيْهِ.