زاد المسير — ابن الجوزي
سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ ﴿٢٤﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أيْ: عَلى ما أُمِرُوا بِهِ ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: طَلَبًا لِرِضاهُ ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ﴾ أتَمُّوها ﴿وَأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ مِنَ الأمْوالِ في طاعَةِ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالصَّلاةِ: الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وبِالإنْفاقِ: الزَّكاةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ﴾ أيْ: يَدْفَعُونَ ﴿بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ . وفي المُرادِ بِهِما خَمْسَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: يَدْفَعُونَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ الشَّرَّ مِنَ العَمَلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: يَدْفَعُونَ بِالمَعْرُوفِ المُنْكَرَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّالِثُ: بِالعَفْوِ الظُّلْمَ، قالَهُ (p-٣٢٥)جُوَيْبِرٌ. والرّابِعُ: بِالحِلْمِ السَّفَهَ، كَأنَّهم إذا سُفِهَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والخامِسُ: بِالتَّوْبَةِ الذَّنْبَ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: عُقْباهُمُ الجَنَّةُ، أيْ: تَصِيرُ الجَنَّةُ آخِرَ أمْرِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن صَلَحَ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " صَلُحَ " بِضَمِّ اللّامِ. ومَعْنى " صَلَحَ ": آمَنَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْحَقَ المُؤْمِنَ أهْلَهُ المُؤْمِنِينَ إكْرامًا لَهُ، لِتَقَرَّ عَيْنُهُ بِهِمْ. " والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالتَّحِيَّةِ مِنَ اللَّهِ والتُّحْفَةِ والهَدايا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أُضْمِرَ القَوْلُ هاهُنا، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ. وفي هَذا السَّلامِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ التَّحِيَّةُ المَعْرُوفَةُ، يَدْخُلُ المَلَكُ فَيُسَلِّمُ ويَنْصَرِفُ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وفي قَوْلِ المُسْلِمِ: سَلامٌ عَلَيْكم، قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ السَّلامَ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والمَعْنى: اللَّهُ عَلَيْكم، أيْ: عَلى حِفْظِكم. والثّانِي: أنَّ المَعْنى: السَّلامَةُ عَلَيْكم، فالسَّلامُ جَمْعُ سَلامَةٍ.
والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: إنَّما سَلَّمَكُمُ اللَّهُ تَعالى مِن أهْوالِ القِيامَةِ وشَرِّها بِصَبْرِكم في الدُّنْيا.
وَفِيما صَبَرُوا عَلَيْهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ أمْرُ اللَّهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: فُضُولُ الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: الدِّينُ. والرّابِعُ: الفَقْرُ، رُوِيا عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ. والخامِسُ: أنَّهُ فَقْدُ المَحْبُوبِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.