زاد المسير — ابن الجوزي
وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴿٤٢﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ يَعْنِي السّاقِيَ.
وَفِي هَذا الظَّنِّ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى العِلْمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ الظَّنُّ الَّذِي يُخالِفُ اليَقِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيْ: عِنْدَ صاحِبِكَ، وهو المَلِكُ، وقُلْ لَهُ: إنَّ في السِّجْنِ غُلامًا حُبِسَ ظُلْمًا. واسْمُ المَلِكِ الوَلِيدُ بْنُ الرَّيّانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: فَأنْسى الشَّيْطانُ السّاقِيَ ذِكْرَ يُوسُفَ لِرَبِّهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ إسْحاقَ.
والثّانِي: فَأنْسى الشَّيْطانُ يُوسُفَ ذِكْرَ رَبِّهِ، وأمَرَهَ بِذِكْرِ المَلِكِ ابْتِغاءَ الفَرْجِ مِن عِنْدِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ، وهَذا نِسْيانُ عَمْدٍ، لا نِسْيانُ سَهْوٍ، وعَكْسُهُ القَوْلُ الَّذِي قَبْلَهُ.
(p-٢٢٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ ما كانَ قَدْ لَبِثَ قَبْلَ ذَلِكَ، عُقُوبَةً لَهُ عَلى تَعَلُّقِهِ بِمَخْلُوقٍ.
وَفِي البِضْعِ تِسْعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: ما بَيْنَ السَّبْعِ والتِّسْعِ، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا ناحَبَ قُرَيْشًا عِنْدَ نُزُولِ ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الرُّومِ ١،٢] قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " ألا احْتَطْتَ، فَإنَّ البِضْعَ ما بَيْنَ السَّبْعِ إلى التِّسْعِ "» . والثّانِي: اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: سَبْعُ سِنِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والرّابِعُ: أنَّهُ ما بَيْنَ الخَمْسِ إلى السَّبْعِ، قالَهُ الحَسَنُ. والخامِسُ: أنَّهُ ما بَيْنَ الأرْبَعِ إلى التِّسْعِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والسّادِسُ: ما بَيْن الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ، والزَّجّاجُ. والسّابِعُ: أنْ يَكُونَ البِضْعُ بَيْنَ الثَّلاثِ والتِّسْعِ والعَشَرِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّامِنُ: أنَّهُ ما دُونَ العَشْرَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وقالَ الأخْفَشُ: البِضْعُ: مِن واحِدٍ إلى عَشْرَةٍ. والتّاسِعُ: أنَّهُ ما لَمْ يَبْلُغِ العَقْدَ ولا نَصِفَهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَعْنِي ما بَيْنَ الواحِدِ إلى الأرْبَعَةِ. ورَوى الأثْرَمُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: البِضْعُ: ما بَيْنَ ثَلاثٍ وخَمْسٍ.
وَفِي جُمْلَةِ ما لَبِثَ في السِّجْنِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أرْبَعَ عَشْرَةَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: سَبْعُ سِنِينَ، قالَهُ قَتادَةُ. قالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: لَمّا قالَ يُوسُفُ (p-٢٢٩)لِلسّاقِي ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، قِيلَ لَهُ: يا يُوسُفُ، أتَّخَذْتَ مِن دُونِي وكِيلًا ؟ لِأُطِيلَنَّ حَبْسَكَ، فَبَكى، وقالَ: يارَبِّ، أنْسى قَلْبِي كَثْرَةُ البَلْوى، فَقُلْتُ كَلِمَةً، فَوَيْلٌ لِإخْوَتِي.