×
الناسالآية ٢

زاد المسير — ابن الجوزي

مَلِكِ ٱلنَّاسِ ﴿٢﴾

(p-٢٧٧)سُورَةُ النّاسِ وَفِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها مَكِّيَّةٌ، رَواهُ أبُو كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ النّاسَ هاهُنا بِأنَّهُ رَبُّهُمْ، وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: لِأنَّهم مُعَظَّمُونَ مُتَمَيِّزُونَ عَلى غَيْرِهِمْ. والثّانِي: لِأنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّهِمْ أعْلَمَ أنَّهُ رَبُّهُمْ، لِيَعْلَمَ أنَّهُ هو الَّذِي يُعِيذُ مِن شَرِّهِمْ. ولَمّا كانَ في النّاسِ مُلُوكٌ قالَ تَعالى: ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ ولَمّا كانَ فِيهِمْ (p-٢٧٨)مِن يَعْبُدُ غَيْرَهُ قالَ تَعالى: ﴿إلَهِ النّاسِ﴾ . وَ ﴿الوَسْواسِ﴾ الشَّيْطانُ، وهو ﴿الخَنّاسِ﴾ يُوَسْوِسُ في الصُّدُورِ، فَإذا ذُكِرَ اللَّهُ، خَنَسَ، أيْ: كَفَّ وأقْصَرَ. قالَ الزَّجّاجُ: الوَسْواسُ هُنا: ذُو الوَسْواسِ. (p-٢٧٩)وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الصُّدُورُ هاهُنا: القُلُوبُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشَّيْطانُ جاثِمٌ عَلى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإذا سَها وغَفَلَ، وسَوَسَ، فَإذا ذَكَرَ اللَّهَ، خَنَسَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ الجِنَّةُ: الجِنُّ. وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ جِنَّتُهم وناسُهُمْ، فَسَمّى الجِنَّ هاهُنا ناسًا، كَما سَمّاهم رِجالًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجِنِّ: ٦]، وسَمّاهم نَفَرًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجِنِّ: ١]، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ. وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الوَسْواسُ مُوَسْوِسًا لِلْجِنِّ، كَما يُوَسْوِسُ لِلْإنْسِ. والثّانِي: أنَّ الوَسْواسَ: الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ، هو مِنَ الجِنَّةِ، وهم مِنَ الجِنِّ. والمَعْنى: مِن شَرِّ الوَسْواسِ الَّذِي هو مِنَ الجِنِّ. ثُمَّ عَطَفَ قَوْلَهُ تَعالى: " والنّاسِ " عَلى ﴿الوَسْواسِ﴾ . والمَعْنى: مِن شَرِّ الوَسْواسِ، ومِن شَرِّ النّاسِ، كَأنَّهُ أُمِرَ أنْ يَسْتَعِيذَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.