×
هودالآية ٥٦

زاد المسير — ابن الجوزي

إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿٥٦﴾

(p-١١٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَقُولُ﴾ أيْ: ما نَقُولُ في سَبَبِ مُخالَفَتِكَ إيّانا إلّا أنَّ بَعْضَ آلِهَتِنا أصابَكَ بِجُنُونٍ لِسَبِّكِ إيّاها، فالَّذِي تُظْهِرُ مِن عَيْبِها لِما لَحِقَ عَقْلَكَ مِنَ التَّغْيِيرِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ عَرانِي كَذا، واعْتَرانِي: إذا ألَمَّ بِي. ومِنهُ قِيلَ لِمَن أتاكَ يَطْلُبُ نائِلَكَ، عارٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎ أتَيْتُكَ عارِيًا خَلَقًا ثِيابِي عَلى خَوْفٍ تُظَنُّ بِيَ الظُّنُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. حَرَّكَ ياءَ " إنِّي " نافِعٌ. ومَعْنى الآيَةِ: إنْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الآلِهَةَ عاقَبَتْنِي لِطَعْنِي عَلَيْها، فَإنِّي عَلى يَقِينٍ مِن عَيْبِها والبَراءَةِ مِنها، وها أنا ذا أزِيدُ في الطَّعْنِ عَلَيْها، ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ أيِ: احْتالُوا أنْتُمْ وأوْثانُكم في ضُرِّي، ثُمَّ لا تُمْهِلُونِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا مِن أعْظَمِ آياتِ الرُّسُلِ، أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ وحْدَهُ، وأُمَّتُهُ مُتَعاوَنَةٌ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ لَهم: كِيدُونِي، فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنهم ضُرَّهُ، وكَذَلِكَ قالَ نُوحٌ لِقَوْمِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يُونُسَ:٧١] . وقالَ مُحَمَّدٌ ﷺ: ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المُرْسَلاتِ:٣٩] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: أنَّها في قَبْضَتِهِ ومُلْكِهِ وسُلْطانِهِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ النّاصِيَةَ ؟ فالجَوابُ: أنَّ النّاصِيَةَ شَعْرُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، فَإذا أخَذْتَ بِها مِن شَخْصٍ، فَقَدْ مَلَكْتَ سائِرَ بَدَنِهِ، وذَلَّ لَكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: عَلى الحَقِّ، وقالَ غَيْرُهُ: في الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ رَبِّي يَدُلُّ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. (p-١١٩)فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ المُناسِبَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: " إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها " وبَيْنَ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ آخِذٌ بِنَواصِي الخَلْقِ، كانَ مَعْناهُ: أنَّهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ قَبْضَتِهِ، فَأخْبَرَ أنَّهُ عَلى طَرِيقٍ لا يَعْدِلُ عَنْهُ هارِبٌ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ مُسْتَتِرٌ. والثّانِي: أنَّ المَعْنى: أنَّهُ وإنْ كانَ قادِرًا عَلَيْهِمْ، فَهو لا يَظْلِمُهم، ولا يُرِيدُ إلّا العَدْلَ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.