زاد المسير — ابن الجوزي
أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۚ إِنَّنِى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ﴿٢﴾
(p-٧٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فُصِّلَتْ آياتُهُ بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ ﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ . و " أنْ " في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِإلْقائِكَ الخافِضَ.
وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: آمُرُكم أنْ لا تَعْبُدُوا [إلّا اللَّهَ] وأنِ اسْتَغْفِرُوا.
قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِهَذِهِ العِبادَةِ: التَّوْحِيدُ. والخِطابُ لِكُفّارِ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الِاسْتِغْفارَ والتَّوْبَةَ هاهُنا مِنَ الشِّرْكِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: اسْتَغْفِرُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ السّالِفَةِ، ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ مِنَ المُسْتَأْنَفَةِ مَتى وقَعَتْ. وذُكِرَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: " ثُمَّ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَتَفَضَّلُ عَلَيْكم بِالرِّزْقِ والسَّعَةِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَعْمَرَكم. وأصْلُ الإمْتاعِ: الإطالَةُ، يُقالُ: أمْتَعَ اللَّهُ بِكَ، ومَتَّعَ اللَّهُ بِكَ، إمْتاعًا ومَتاعًا، والشَّيْءُ الطَّوِيلُ: ماتِعٌ، يُقالُ: جَبَلٌ ماتِعٌ، وقَدْ مَتَعَ النَّهارُ: إذا تَطاوَلَ.
وَفِي المُرادِ بِالأجَلِ المُسَمّى قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ مِن حَسَنَةٍ وخَيْرِ فَضْلِهِ، وهو الجَنَّةُ. والثّانِي: يُؤْتِيهِ فَضْلَهُ مِنَ الهِدايَةِ إلى العَمَلِ الصّالِحِ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى العَبْدِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ويُؤْتِ كُلَّ مَن زادَ في إحْسانِهِ (p-٧٦)وَطاعاتِهِ ثَوابَ ذَلِكَ الفَضْلِ الَّذِي زادَهُ، فَيُفَضِّلُهُ في الدُّنْيا بِالمَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ، وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ الجَزِيلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: تُعْرِضُوا عَمّا أُمِرْتُمْ بِهِ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ: " وإنْ تُوَلُّوا " بِضَمِّ التّاءِ. ﴿فَإنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ فِيهِ إضْمارُ " فَقُلْ " . واليَوْمُ الكَبِيرُ: يَوْمُ القِيامَةِ.