×
الأنفالالآية ٦٧

تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي

مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ﴿٦٧﴾

قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى ٩١٥٠ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ الْبَصْرِيُّ ثنا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ ثنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ثنا أَبُو زُمَيْلٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ثنا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أَسَرُوا الأُسَارَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا أَبَا بَكْرٍ وَعَلِيٍّ وَعُمَرَ، مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلاءِ الأُسَارَى؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً فَتَكُونَ لَنَا قُوَّةٌ عَلَى الْكُفَّارِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمُ إِلَى الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ قَالَ: قُلْتُ لَا وَاللَّهِ مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا مِنْهُمْ فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، تُمَكِّنُ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلانٍ نَسِيبٍ لِعُمَرَ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَإِنَّ هَؤُلاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا وَقَادَتُهَا فَهَوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلِيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ لَقَدْ عُرِضَ عَلِيَّ عَذَابُكُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، شَجَرَةٍ قُرَيْبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ في الأرض الْآيَةَ. ٩١٥١ - حَدَّثَنَا أَبِي ثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قال: لما كان يوم بدر وجئ بِالأُسَارَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلاءِ الأُسَارَى؟ فَقَالَ أبو بكر: يا رسول الله قومك وصلك اسْتَبْقِهِمْ وَاسْتَأَنِّهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْرَجُوكَ وَكَذَّبُوكَ فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أنضر وَادِيًا كَثِيرَ الْحَطَبِ فَأَدْخِلْهُمْ، فِيهِ ثُمَّ أَضْرِمْهُ عَلَيْهِمْ نَارًا فَقَالَ الْعَبَّاسُ وَهُوَ فِي الأَسْرَى تسمع ما يقولون قطعتك رَحِمَكَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُجِبْهُمْ شَيْئًا فَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ وَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ ابْنِ رَوَاحَةَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَّنَ قُلُوبَ رِجَالٍ فِيهِ حَتَّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنَ اللِّينِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُشَدِّدَ قُلُوبَ رِجَالٍ فِيهِ حَتَّى تَكُونَ أَشَدَّ مِنَ الْحِجَارَةِ وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ كَمَثَلِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» وَمَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ كَمَثَلِ عِيسَى قَالَ إِنَّ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٢» وَمَثَلَكَ يَا عُمَرُ كَمَثَلِ نُوحٍ قَالَ: رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا _________ (١) . سورة إبراهيم، آية: ٣٦. (٢) . سورة المائدة، آية: ١١٨. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا «١» وَمَثَلَكَ يَا عُمَرُ كَمَثَلِ مُوسَى قَالَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ «٢» أَنْتُمْ عَالَةٌ فَلا يَنْفَلِتَنَّ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلا بِفِدَاءٍ أَوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلا سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الإِسْلامَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَا رَأَيْتُنِي فِي يَوْمٍ أَخْوَفُ أَنْ يَقَعَ عَلِيَّ حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنِّي حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلا سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ فَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِقَوْلِ عُمَرَ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ إِلَى آخِرِ الآيَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: أَسْرَى ٩١٥٢ - حَدَّثَنَا أَبِي ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُنِيبٍ ثنا أَبُو مُعَاذٍ ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ الضَّحَّاكِ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى يَعْنِي: الَّذِينَ أُسِرُوا بِبَدْرٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى يُثْخِنَ في الأرض [الوجه الأول] ٩١٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ثنا مِنْجَابٌ أَنْبَأَ بِشْرٌ بْنُ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي رَوْقٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرض يَقُولُ: حَتَّى يَظْهَرَ عَلَى الأَرْضِ الْوَجْهُ الثَّانِي: ٩١٥٤ - حَدَّثَنَا أَبِي ثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ ثنا ابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ مُجَاهِدٍ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ وَالإِثْخَانُ: هُوَ الْقَتْلُ. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلُ ذَلِكَ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: ٩١٥٥ - حَدَّثَنَا أَبِي ثنا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ وَذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ وَالْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ فَلَمَّا كَثُرُوا وَاشْتَدَّ سُلْطَانُهُمْ أَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذَا فِي الأُسَارَى فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الحرب أوزارها فجعل _________ (١) . سورة نوح، الآيات: ٢٦- ٢٧. (٢) . سورة يونس، آية: ٨٨ اللَّهُ النَّبِيَّ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي أَمْرِ الأُسَارَى بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءُوا قَتَلُوهُمْ وَإِنْ شَاءُوا استَعْبَدُوهُمْ وَإِنْ شَاءُوا فَادُوهُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا [الوجه الأول] ٩١٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطِّهْرَانِيُّ، أَنْبَأَ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْعَدَنِيُّ ثنا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا يَعْنِي: الْخَرَاجَ. الْوَجْهُ الثَّانِي: ٩١٥٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ثنا شَيْبَانُ ثنا عُقْبَةُ الرِّفَاعِيُّ ثنا حَيَّانُ الأَعْرَجُ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ كَانَ يَقُولُ: لَيْسَ أَحَدٌ يَعْمَلُ عَمَلًا يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ يَأْخُذُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا إِلا كَانَ حَظَّهُ مِنْهُ، يَعْنِي قَوْلُهُ: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا ٩١٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ثنا سَلَمَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا أي المتاع، الفدا يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ ٩١٥٩ - حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ أبي الوضاح حدثنا القاسم بن فائد عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ قَالَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لَنَا ذُنُوبٌ نَخَافُ عَلَى أَنْفُسِنَا مِنْهَا إِلا حُبَّنَا الدُّنْيَا لَخَشِينَا عَلَى أَنْفُسِنَا، أَرِيدُوا مَا أَرَادَ اللَّهِ. ٩١٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ثنا سَلَمَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ أَيْ بِقَتْلِهِمْ لِظُهُورِ الَّذِي يُرِيدُونَ إِطْفَاءَهُ، الَّذِي بِهِ تُدْرَكُ الآخِرَةُ.