تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي
لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ﴿٢٨٤﴾
قَوْلُهُ: لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ
٣٠٥٥ - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، قَوْلُهُ: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
[الوجه الأول]
٣٠٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ قَالَ: فِي الشَّهَادَةِ. وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَعِكْرِمَةَ وَمِقْسَمٍ، مِثْلُ ذَلِكَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي:
٣٠٥٧ - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أو تخفوه يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَذَلِكَ سِرُّ أَمْرِكَ وَعَلانِيَتُهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ وَإِنَّهَا لَمْ تُنْسَخْ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا جَمَعَ الْخَلائِقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ إِنِّي أُخْبِرُكُمْ بِمَا أَخْفَيتُمْ فِي نُفُوسِكُمْ، مِمَّا لَمْ تَطَّلِعْ عَلَيْهِ ملائكتي.
الوجه الثَّالِثُ:
٣٠٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا عَمِّيَ الْحُسَيْنُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قوله: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَذَلِكَ سِرُّ عَمَلِكَ وَعَلانِيَتُهُ يُحَاسِبْكَ بِهِ اللَّهُ، وَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، يُسِرُّ فِي نَفْسِهِ خَيْرًا لِيَعْمَلَ بِهِ فَإِنْ عَمِلَ بِهِ، كُتِبَتْ لَهُ عَشَرُ حَسَنَاتٍ، وَإِنْ هُوَ لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ كُتِبَ لَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، وَاللَّهُ يَرْضَى سِرَّ الْمُؤْمِنِينَ وَعَلانِيَتَهُمْ، وَإِنْ كَانَ سُوءًا، حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ، اطَّلَعَ اللَّهُ عليه، أخبره بِهِ، يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ، فَإِنْ هُوَ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، لَمْ يُؤَاخِذِ اللَّهُ بِهِ، حَتَّى يَعْمَلَ بِهِ فَإِنْ هُوَ عَمِلَ بِهِ، تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ، كَمَا قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ.
وَرُوِيَ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، كَانَ يَقُولُ إِذَا دُعِيَ النَّاسُ إِلَى الْحِسَابِ، يُحَاسَبُ الْعَبْدُ بِمَا عَمِلَ، وينظر في عمله ويخبره الله بما وَمَا أَسَرَّ فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يَعْمَلْهُ، وَلَمْ تَكُنِ الْمَلائِكَةِ، تَطَّلِعُ عَلَيْهِ حَاسَبَهُ بِمَا (أَعْلَنَ) «١» أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ، وَعَلِمَهُ اللَّهُ، فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ. فَهَذِهِ الْمُحَاسَبَةُ.
٣٠٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو سعيد الأشج، ثنا بْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ «٢»
وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ قَالَ: مِنَ الْيَقِينِ وَالشَّكِّ.
قَوْلُهُ: يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله
[الوجه الأول]
٣٠٦٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، ثنا عَفَّانُ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ قَالَ: أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ حَتَّى حثوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ:
كُلِّفْنَا الصَّلاةَ وَالصِّيَامَ وَالْجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ. فَأَمَّا هَذَا، فَإِنَّا لَا نُطِيقُهُ أَنْ نُبْدِيَ مَا فِي أَنْفُسِنَا أَوْ نُخْفِيَهُ، يُحَاسِبُنَا بِهِ اللَّهُ. فَقَالَ: تُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، لَا وَلَكِنْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا حَتَّى إِذَا ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ أَنْزَلَ اللَّهُ التَّخْفِيفَ فَقَالَ: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وكتبه ورسله
_________
(١) . طمس في الأصل وما أثبت لعلة الصواب والله أعلم.
(٢) . تفسير مجاهد ١/ ١١٩.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ فَصَارَ الْكَسْبُ، فَنَسَخَتْ هَذِهِ مَا قَبْلَهَا «١» .
٣٠٦١ - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ الْعَلاءِ، وَذُكِرَ بِإِسْنَادِهِ، نَحْوُهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ وَكَعْبِ الأَحْبَارِ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَقَتَادَةَ، أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ.
وَالْوَجْهُ الثاني
: أنها محكمة:
٣٠٦٢ - حدثنا أبى، سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أُمَيَّةَ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَقَالَتْ: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ، مُنْذُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا، فقالت: هذه مبايعة اللَّهِ الْعَبْدَ، وَمَا يُصِيبُهُ مِنَ الْحُمَّى وَالنَّكْبَةِ، والبضاعة يضعها في يد كمه فيفتقدها، فَيَفْزَعُ لَهَا، ثُمَّ يَجِدُهَا فِي ضَبِينِهِ «٢» حَتَّى إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ، كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ الأَحْمَرُ «٣» .
٣٠٦٣ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَحْرٍ الْعَسْكَرِيُّ، ثنا ابن الأصبهاني، ابنا ابْنُ يَمَانٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ سُلَيْمَانَ الضَّبِّيِّ، قَالَ سَمِعْتُ نَافِعًا يَعْنِي مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بذكر عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا مَرَّ بِهَذِهِ الآيَةِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ قَالَ: إِنْ هَذَا إِلا إِحْصَاءٌ شَدِيدٌ.
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ وَالرَّبِيعِ أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ.
٣٠٦٤ - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابن عباس يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ يَقُولُ: يُخْبِرْكُمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ:
٣٠٦٥ - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ هِيَ مُحْكَمَةٌ لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ، بِقَوْلِهِ: يَعْرِفُهُ
_________
(١) . مسلم ٢/ ١٤٤.
(٢) . طمس في الأصل والإضافة عن الدر ٢/ ١٣١.
(٣) . الترمذي ٥/ ٢٠٥ رقم ٢٩٩١ قال حديث حسن غريب.
يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِنَّكَ أَخْفَيتَ فِي صَدْرِكَ كَذَا وَكَذَا وَلا يُؤَاخِذُهُ. وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ، نَحْوُ ذلك.
قوله: فيغفر لمن يشاء
[الوجه الأول]
٣٠٦٦ - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ قَالَ: فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ، فَيُخْبِرُهُمْ وَيَغْفِرُ لَهُمْ مَا حَدَّثُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي:
٣٠٦٧ - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ، ثنا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى، عَنْ مَنْصُورٍ أَوْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ قَالَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ الْكَبِيرَ مِنَ الذُّنُوبِ. وَرُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ، مِثْلُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ
[الوجه الأول]
٣٠٦٨ - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ قَالَ: وَأَمَّا أَهْلُ الشَّكِّ وَالرِّيَبِ فَيُخْبِرُهُمْ بِمَا أَخْفُوا مِنَ التَّكْذِيبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي:
٣٠٦٩ - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ، ثنا يحي بْنُ يَعْلَى، عَنْ مَنْصُورٍ، أَوْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ قَالَ: يُعَذَّبُ مَنْ يَشَاءُ عَلَى الصَّغِيرِ. وَرُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ، مِثْلُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: وَاللَّهُ عَلَى كل شيء قدير
قد تقم تفسيره آية ٢٠