تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي
كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٢١٦﴾
قَوْلُهُ تعالى: كتب عليكم القتال
[الوجه الأول]
٢٠١٢ - حدثنا أبو زرعة، ثنا نحيى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ أَمَرَ النَّبِيَّ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ، بِالتَّوْحِيدِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَأَنْ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ عَنِ الْقِتَالِ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، نَزَلَتْ سَائِرُ الْفَرَائِضِ وَأُذِنَ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ، فَنَزَلَتْ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ يَعْنِي فُرِضَ عَلَيْكُمْ، وَأَذِنَ لَهُمْ بَعْدَ مَا كَانَ نَهَاهُمْ عَنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي:
٢٠١٣ - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الطَّيَالِسِيُّ، ثنا خَلادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ قَالَ: نَسَخَتْهَا هَذِهِ الآيَةُ: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا
٢٠١٤ - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، ثنا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَا تَقُولُ فِي قَوْلِهِ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ أَوَجَبَ الْغَزْوُ عَلَى النَّاسِ مِنْ أَجْلِهَا؟ قَالَ: لَا، كُتِبَ عَلَى أُولَئِكَ حِينَئِذٍ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ:
٢٠١٥ - أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قِرَاءَةً، أَنْبَأَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ
كُرْهٌ لَكُمْ
فَالْجِهَادُ مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، غَزَا أَوْ قَعَدَ فَالْقَاعِدُ، عُدَّةٌ، إِنِ اسْتُعِينَ بِهِ أَعَانَ، وَإِنِ اسْتُغِيثَ بِهِ أَغَاثَ، وَإِنِ اسْتُنْفِرَ نَفَرَ، وَإِنِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ قَعَدَ
قَوْلُهُ: وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ
٢٠١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، ثنا نحيى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ يَعْنِي: الْقِتَالَ هُوَ مَشَقَّةٌ لَكُمْ.
وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ «١» أَنَّهُ قَالَ: شَدِيدٌ عَلَيْكُمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَسَى
٢٠١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى، ثنا هَارُونُ بْنُ حَاتِمٍ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أَبِي حَمَّادٍ، عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ:
عَسَى فَهُوَ وَاجِبٌ إِلا حَرْفَيْنِ، حَرْفٌ فِي التَّحْرِيمِ: عَسَى رَبُّهِ إِنْ طَلَّقَكُنَّ وَفِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ
قَوْلُهُ: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لكم
٢٠١٨ - حدثنا أبو زرعة، ثنا نحيى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا يَعْنِي: الْجِهَادَ، قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ: وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيَجْعَلُ اللَّهُ عَاقِبَتَهُ فَتْحًا وَغَنِيمَةً وَشَهَادَةً.
٢٠١٩ - حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادِ بْنِ طَلْحَةَ، ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلُهُ: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ يَقُولُ: إِنَّ فِي الْقِتَالِ الْغَنِيمَةَ وَالظُّهُورَ وَالشَّهَادَةَ، وَلَكُمْ فِي الْقُعُودِ، أَلا تُظْهَرُوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَلا تُسْتَشْهَدُوا وَلا تُصِيبُوا شَيْئًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ والله يعلم وأنتم لا تعلمون
٢٠٢٠ - حدثنا أبو زرعة ثنا نحيى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: وعسى أن تحبوا شيئا
_________
(١) . تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠١.
يَقُولُ: الْقُعُودُ عَنِ الْجِهَادِ: وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ فَيُجْعَلُ اللَّهُ عَاقِبَتَهُ شَرًّا لَكُمْ، فَلا تُصِيبُوا ظَفَرًا وَلا غَنِيمَةً.
قَوْلُهُ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
٢٠٢١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثنا مُوسَى بْنُ هَارُونَ الدُّولابِيَّ ثنا مَرْوَانُ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِ اللَّهِ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ قَالَ: يَعْلَمُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ مَا لَا تعلمون.
٢٠٢٢ - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنِي الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ أَبِي السَّوَّارِ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَن ّرَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَهْطًا وَبَعَثَ عَلَيْهِمْ أبا عبيدة ابن الْجَرَّاحِ أَوْ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ، فَلَمَّا ذَهَبَ يَنْطَلِقُ بَكَى صُبَابَةً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَلَسَ. فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ مَكَانَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا وَأَمَرَهُ أَلا يَقْرَأَ الْكِتَابَ حَتَّى يَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: لَا تُكْرِهَنَّ أَحَدًا عَلَى السَّيْرِ مَعَكَ مِنْ أَصْحَابِكَ. فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ، اسْتَرْجَعَ، وَقَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. فَخَبَّرَهُمُ الْخَبَرَ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ، فَرَجَعَ رَجُلانِ، وَمَضَى بَقِيَّتُهُمْ، فَلَقُوا ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ فَقَتَلُوهُ. وَلَمْ يَدْرُوا أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَجَبَ أَوْ مِنْ جُمَادَى؟ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: قَتَلْتُمْ فِي الشَّهْرِ الحرام، فأنزل الله تعالى: يسئلونك عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ
٢٠٢٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ، أَنْبَأَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ «١» أنبأ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَعُثْمَانُ الْجَزَرِيُّ، عَنْ مِقْسَمٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ لَقِيَ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبَ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ فِي جُمَادَى، فَقَتَلَهُ. وَهُوَ أَوَّلُ قَتِيلٍ قُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَعَيَّرَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ، فقال: أتقتلون في الشهر الحرام، فأنزل الله: يسئلونك عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٌ فِيهِ
قَالَ الزُّهْرِيُّ «٢»
: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا بَلَغَنَا يُحَرِّمُ الْقِتَالَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، ثُمَّ أحل له بعد ذلك.
_________
(١) . التفسير ١/ ١٠١.
(٢) . التفسير ١/ ١٠١.