تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي
فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًۭا ۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَٰقٍۢ ﴿٢٠٠﴾
قَوْلُهُ: فإذا قضيتم مناسككم
[الوجه الأول]
١٨٦٧ - حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ حَمْزَةَ، ثنا شَبَابَةُ، ثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: فَإِذَا قَضَيتُمْ مَنَاسِكَكُمْ قَالَ: إِهْرَاقَةُ الدِّمَاءِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي:
١٨٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، ثنا وَكِيعٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَطَاءٍ:
فَإِذَا قَضَيتُمْ مَنَاسِكَكُمْ قَالَ: حَجَّكُمْ.
قَوْلُهُ: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ
اختلف في تفسيرها، فأحدها:
[الوجه الأول]
١٨٦٩ - حَدَّثَنَا أَبِي ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، ثنا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: قَوْلُ اللَّهِ:
كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِي عَلَيْهِ الْيَوْمُ وَمَا يَذْكُرُ أَبَاهُ. قَالَ:
إِنَّهُ لَيْسَ بِذَلِكَ. وَلَكِنْ يَقُولُ تَغْضَبُ لِلَّهِ إِذَا عُصِيَ، أَشَدَّ مِنْ غَضَبِكَ إِذَا ذُكِرَ وَالِدُكَ بِسُوءٍ، أَوْ أَشَدَّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي:
١٨٧٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عَطِيَّةَ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّشْتَكِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا الأَشْعَثُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقِفُونَ فِي الْمَوَاسِمِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: كَانَ أَبِي يُطْعِمُ وَيَحْمِلُ الْحَمَالاتِ «١» وَيَحْمِلُ الدِّيَاتِ، لَيْسَ لَهُمْ ذِكْرٌ غَيْرَ فِعَالِ آبَائِهِمْ، فَأَنْزَلَ
_________
(١) . هي ما يتحمله الإنسان من غيره من دية أو غرامة- هامش ابن كثير ١/ ٣٥٥.
اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ يَعْنِي: ذِكْرُ آبَائِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا. وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي وَائِلٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ فِي إِحْدَى رِوَايَاتِهِ وَمُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ «١» وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، نَحْوُ ذَلِكَ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ:
١٨٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ:
فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ قَالَ: هُوَ الصَّبِيُّ أَوَّلَ مَا يَلْهَجُ مِنَ الْكَلامِ: يَا أَبَهْ، يَا أَمَّهْ.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ:
١٨٧٢ - حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ ثَابِتٍ الْخُزَاعِيُّ، ثنا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، ثنا سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ بَانَكَ قَالَ: سَأَلْتُ عِكْرِمَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَهُوَ ذِكْرِي أَبِي؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ ذِكْرُ أَبِيكَ إِيَّاكَ، إِنَّ الْوَالِدَ مُوَكَّلٌ بِالْوَلَدِ. وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ نَحْوُ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ:
ذُكِرَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ الْبَقَّالِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كذكركم آباءكم قال الثَّقَفِيِّ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ قَالَ: كَانُوا إِذَا فَرَغُوا مِنْ حَجِّهِمْ، تَفَاخَرُوا بِآبَائِهِمْ. فَقَالَ اللَّهُ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، نَحْوُ ذَلِكَ.
قوله: أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا
١٨٧٣ - قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ أَنْبَأَ مُحَمَّدُ بْنُ مُزَاحِمٍ، ثنا بُكَيْرُ بْنُ مَعْرُوفٍ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَوْلُهُ: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَإِنِّي إِنْ فَعَلْتُ الْخَيْرَ بِكُمْ وَبِآبَائِكُمْ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَكُونُوا لِلَّهِ أَشَدَّ ذِكْرًا مِنْ آبائهم.
_________
(١) . انظر تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٦.
قَوْلُهُ: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا
١٨٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْقَاسِمِ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّشْتَكِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا الأَشْعَثُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ قَوْمٌ مِنَ الأَعْرَابِ يَجِيئُونَ إِلَى الْمَوْقِفِ فَيَقُولُونَ:
اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ عَامَ غَيْثٍ وَعَامَ خِصْبٍ وَعَامَ وِلادٍ حَسَنٍ، لَا يَذْكُرُونَ مِنْ أَمَرِ الآخِرَةِ شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولِ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ وَمُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، نَحْوُ ذَلِكَ.
١٨٧٥ - أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ الطُّوسِيُّ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرُّوذِيُّ، ثنا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَة
َ، قَوْلُهُ: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ قَالَ: هَذَا عَبْدٌ نَوَى الدُّنْيَا، لَهَا أَنْفَقَ وَلَهَا شَخَصَ، وَلَهَا عَمِلَ وَلَهَا نَصَبَ، فِيهَا هَمُّهُ وَنِيَّتُهُ وَسَدَمُهُ «١» وَطَلِبَتُهُ.
قَوْلُهُ: وَمَا لَهُ في الآخرة من خلاق
قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.