تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي
وَقَدْ مَكَرُوا۟ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ﴿٤٦﴾
قوله: وَإِنْ كَانَ مكرهم لتزول منه الجبال
١٢٣٠٧ - عن ابن عباس ﵄ في قَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ يَقُولُ شركهم «٢» . كقوله تكاد السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ «٣» .
١٢٣٠٨ - عَنْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قرأ هذه الآية: وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ثُمَّ فسرها فقال: إِنَّ جبارًا مِنَ الجبابرة قَالَ: لا أنتهي حتى أنظر إِلَى مَا في السَّمَاء، فأمر بفراخ النسور تعلف اللحم حتى شبت وغلظت، وأمر بتابوت فنجر يسع رجلين ثُمَّ جعل في وسطه خشبة ثُمَّ ربط أرجلهن بأوتاد، ثُمَّ جوعهن، ثُمَّ جعل عَلَى رأس الخشبة لحما ثم دخل هو وصاحبه في التابوت، ثُمَّ ربطهن إلى قوائم التابوت ثُمَّ خلى عنهن يردن اللحم فذهبن به مَا شاء الله تَعَالَى.
ثُمَّ قَالَ لصاحبه: افتح فانظر ماذا ترى. ففتح فقال: أنظر إِلَى الجبال ... كأنها الذباب..! قَالَ: أغلق. فأغلق فطرن به مَا شاء الله ثُمَّ قَالَ: افتح.. ففتح. فقال: انظر ماذا ترى. فقال: مَا أرى إلا السَّمَاء، وما أراها تزداد إلا بعدًا. قَالَ: صوّب الخشبة. فصوبها فانقضت تريد اللحم، فسمع الجبال هدتها فكادت تزول عَنْ مراتبها «٤» .
١٢٣٠٩ - عَنِ أَبِي مَالِكٍ ﵁ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ قَالَ: انطلق ناس وأخذوا هذه النسور فعلقوا عليها كهيئة التوابيت ثُمَّ أرسلوها في السَّمَاء، فرأتها الجبال فظنت أنه شيء نزل من السماء فتحركت لذلك «٥» .
_________
(١) . الدر ٥/ ٥٢- ٥٣. [.....]
(٢) . الدر ٥/ ٥٢- ٥٣.
(٣) . الدر ٥/ ٥٤- ٥٥.
(٤) . الدر ٥/ ٥٤- ٥٥.
(٥) . الدر ٥/ ٥٤- ٥٥.
١٢٣١٠ - عَنِ السُّدِّىِّ قَالَ: أمر الّذِي حاج إبراهيم في ربه بإبراهيم، فأخرج مِنْ مدينته فلقي لوطًا عَلَى باب المدينة وهو ابن أخيه، فدعاه فآمن به وَقَالَ: إني مهاجر إِلَى ربي. وحلف نمرود إِنَّ يطلب إله إبراهيم، فأخذ أربعة فراخ مِنْ فراخ النسور، فرباهن بالخبز واللحم ... حتى إذا كبرن وغلظن واستعلجن قرنهن بتابوت وقعد في ذَلِكَ التابوت، ثُمَّ رفع رجلا مِنْ لحم لهن، فطرن حتى إِذَا دهم في السَّمَاء أشرف فنظر إِلَى الأَرْض وإلى الجبال تدب كدبيب النمل، ثُمَّ رفع لهن اللحم ثُمَّ نظر، فرأى الأَرْض محيطًا بها بحر كأنها فلكة في ماء، ثُمَّ رفع طويلًا فوقع في ظلمة، فلم ير مَا فوقه ولم ير مَا تحته، فألقي اللحم فأتبعته منقضات، فلما نظرت الجبال إليهن قد أقبلن منقضات وسمعن حفيفهن، فزعت الجبال وكادت إِنَّ تزول مِنَ أمكنتها، ولم يفعلن. فذلك قوله: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ «وإن كاد مكرهم» فكان طيورهن به مِنْ بيت المقدس، ووقوعهن في جبال الدخان. فلما رأى أنه لا يطيق شيئًا، أخذ في بنيان الصرح فبناه حتى أسنده إِلَى السَّمَاء، ارتقى فوقه ينظر يزعم إِلَى إله إبراهيم، فأحدث ولم يكن يحدث، وأخذ الله بنيانه مِنَ القواعد فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ يَقُولُ: مِنْ مأمنهم وأخذهم مِنَ أساس الصرح، فانتقض بهم ... وسقط فتبلبلت ألسنة الناس يومئذ مِنَ الفزع، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانًا، فلذلك سمت بابل وكان قبل ذلك بالسريانية «١» .